الشكوى من الزوج.. (التسلية المُهلكة)

– ذهبت إلى أمها باكية بعد 3 أشهر فقط من الزواج، تشكو صدمتها من بعض خصال زوجها، كانت في غاية الانفعال والغضب، ولكن الأم استطاعت أن تستجمع حكمتها وهدوئها، وتبعث برسائل السكينة والتعقل إلى ابنتها، ذكرتها بصفات زوجها الطيبة، وأفعاله الكريمة، وركّزت في حديثها المطمئن الواثق على صعوبة الفترة الأولى من الزواج، حيث يستكشف كل طرف الآخر، ويحاولان التوصل إلى توافق يؤلف بينهما.

– عادت العروس الشابة إلى بيتها، وذابت الخلافات بينها وبين زوجها، ونعمت بأوقات تملؤها المودة والرحمة، ولكنها تركت في قلب أمها حنقا وغيظا وقلقا، وثلمة في إحساسها بزوج ابنتها، كان يمكن سدها مع الأيام، ونسيان هذه المشاعر السلبية، لو أن باب الشكاية أغلق، ولكن هذا ما لم يحدث.

– فقد كانت الزوجة تشكو إلى أمها كل شاردة وواردة، وتحكي لها المرارة بالتفصيل، وتُجمل في ذكر السعادة، كانت تغار على الزوج كثيرا لأسباب واهية، فتحكي لأمها، وتمزج الأحداث بمشاعرها وخيالها وتوقعاتها، فتقدم لها الأم النصيحة، وتُهوِّن مما يضايق ابنتها، ولكن مع تكرار الحكايات بدأت الصورة تتغير في ذهن الأم، وتظن في زوج ابنتها ظنون هو بريء منها.

– ورغم راحة الابنة بالـ”فضفضة” مع أمها، واستفادتها ببعض نصائحها، إلا أن خسارتها كانت فادحة، فمع استمرار الشكاية، لم تعد الأم قادرة على تثبيت ابنتها، وطرد الأوهام من رأسها، كانت تصمت أو تبدي ضيقها من تصرفات زوج ابنتها، الذي لم تعد ترحب به كعادتها، وتبدي فتورا ونفورا تجاهه، فبادلها تحفظا وجفاءًا.

– نسيت الزوجة أن أمها بشرا، وأن لمعين حكمتها قرارًا، وقد نضب من تجريفها له بالشكوى وإفشاء الأسرار، والتركيز على القبيح، واستسهلت التعامل مع المشكلات بمتعة الحكاية، بدلا من الصبر والتصبر، والاستشارة الحقيقية التي تهدف إلى حل، وليس مجرد السرد.

 

فساد ذات البين
– ” 5 غضبات كبيرات في بيت الأهل”.. هذه هي حصيلة عامين فقط من زواجها، والسبب الرئيسي كان دائما “حماتها”، ومشكلات السكن في “بيت عائلة”، حاولت مرارا أن تصبر وتتحمل، ولكن الضغوط، وعدم التفاهم، وشعورها المستمر بالجو المؤامراتي من قبل أخوات الزوج، وزوجات الإخوة، وسيطرة الحماة، كان يفقدها أعصابها فتهرع إلى بيت الأهل في حالة انهيار سوَّغت لها نقل الكلام، فعرف أبوها ما قاله عنه زوج ابنته في لحظة غضب فأغلق قلبه تجاهه، وعرفت أمها ما قالته حماة ابنتها عنها في نقل غير دقيق ولا موثق من ( سلايف ابنتها) فاستبد بها الاستياء والغم.

– وبلغ الشقاق بين العائلتين ذروته عندما لم يتحمل الأخ الشاب ما بلغه من إساءات لأخته وأبيه وأمه، فتعارك مع زوج أخته، وتبادلا السوء من القول، رغم محبتهما السابقة، وتدهورت العلاقات وكان لابد من الطلاق، ولكنها أذهلت الجميع، ووقفت أمام عائلتها رافضة للطلاق، وبكت بحرقة لأن الأمور ساءت إلى حد لم تكن تتخيله، فهي تحب زوجها ولم تر منه شرا، إن مشكلتها فقط مع أهله.

– إستاء منها الجميع وقاطعوها، واضطرت إلى الاتصال بزوجها ليعيدها، فأمهلها حينا وأصر على ألا يأتي إلى بيت أهلها، فعادت إليه بنفسها، تغلفها مرارة قطيعة الأهل، وجفاء الزوج، وبقاء المشكلات دون حل، وإثم فساد ذات البين.

– وماذا عليها لو أنها إذ لم تتحمل، وكان الوضع يحتاج إلى تدخل الأب ألا توغر الصدور، وتسترسل في ذكر شنائع الأمور، وتنقل زلل الكلمات بين أقرب الناس إليها؟

 

امتهان الذات
– تغفل بعض الزوجات عن أن ذمّها لزوجها أمام الجارات والصديقات، بل والأهل والأخوات يقلل من قدرها هي، ويهوِّنها في أعينهم، وقد يجعلها فاكهة لمجالس الغيبة، وعرضة لسخرية من لا يتقين الله، وقد تخاف بعضهن من حسدها لها.

– فإذا لم تحفظ الزوجة زوجها صيانة لكرامته، فهلَّا حفظتها صيانة لكرامتها هي؟، فمشاعر الشفقة لها نهاية، و”الطبطبة” لا تستمر، والناس مهما بلغ تعاطفهم يَمَلُّون من الشكاء، وينفرون رغما عنهم ممن لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ.

 

ضبط النفس
– ليس المقصود أن تكتم المرأة على مشكلاتها فلا تطلب النصيحة، أو تستلهم الأفكار، فالتحاور والحديث له أهمية خاصة لدى النساء، ولكنه سلاح ذو حدين، فكما قد يسهم في تطوير العلاقة الزوجية، والمساعدة على حل المشكلات، يمكنه أيضا أن يشعل القلب بنار الحيرة، ويشوش الرؤية، لذلك يتحتم على الزوجة أن تضع نصب عينيها قول الله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} [النساء: 34]، فكما تحفظ زوجها في غيبته في عرضه وماله، فهي تحفظه أيضا في ذكراه.

– ومن الفروق الجوهرية بين طلب النصيحة، والشكوى السوداء أن الأولى تأتي بعد تفكير ومحاولة، وتوصيف من الشخص لمشكلته، وبحثه لها، لذا فإنه يتحدث مع الغير أملاً في مخرج، واسترشادًا برأي، أما الشكوى السوداء فهي استرسال مع هوى النفس في الحكاية، وطلب الشفقة والرحمة من الخلق، لذا فإن صاحبها يسد الأبواب أمام الحلول، فما من حل إلا ويضع العراقيل أمامه، حتى يخيل للمتحدث معه أنه يكره الخروج مما هو فيه، ويستمتع بحالة الأزمة.

– ومن الفروق الهامة أيضا أن مريد النصيحة يطلبها من أهلها، ويقدر ضرورة الغيبة بقدرها، أما الشكّاء فيستعرض متاعبه، ويظهر سخطه للقاصي والداني.

– إن الشكوى تصعب على الإنسان الخروج من مأزقه، وتضمن استمرارية لمتاعبه، لأنه إذا قرر الصمود، وأحس بانفراج، وبدأ في تعديل أوضاعه، ذكرته عيون من شكى لهم، قبل ألسنتهم، بسابق الأحزان، وماضي الإساءات، وكأنها تستنكر أو تشك في صدق تعافيه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *